محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال ذلك : حدثني محمد بن يزيد الرفاعي ، قال : ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن محمد بن شعيب بن شابور ، عن النعمان بن المنذر ، عن سليمان ، قال : إذا ولد الصبي فهو نسمة ، وإذا انقلب ظهرا لبطن فهو رقبة الكفارة من الرقاب ، وإذا صلى فهو مؤمنة . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى عم بذكر الرقبة كل رقبة ، فأي رقبة حررها المكفر يمينه في كفارته فقد أدى ما كلف ، إلا ما ذكرنا أن الحجة مجمعة على أن الله تعالى لم يعنه بالتحرير ، فذلك خارج من حكم الآية ، وما عدا ذلك فجائز تحريره في الكفارة بظاهر التنزيل الكفارة من الرقاب . والمكفر مخير في تكفير يمينه التي حنث فيها بإحدى هذه الحالات الثلاث التي سماها الله في كتابه كفارة اليمين ، وذلك : إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله ، أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة ، بإجماع من الجميع لا خلاف بينهم في ذلك . فإن ظن طان أن ما قلنا من أن ذلك إجماع من الجميع ليس كما قلنا لما : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، قال : ثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : ثنا سليمان الشيباني ، قال : ثنا أبو الضحى ، عن مسروق ، قال : جاء نعمان بن مقرن إلى عبد الله ، فقال : إني آليت من النساء والفراش فقرأ عبد الله هذه الآية : لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قال : فقال نعمان : إنما سألتك لكوني أتيت على هذه الآية . فقال عبد الله : كفارة اليمين ائت النساء ونم وأعتق رقبة ، فإنك موسر . حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، قال : ثني جرير بن حازم أن سليمان الأعمش حدثه عن إبراهيم بن يزيد النخعي ، عن همام بن الحرث : أن نعمان بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود ، فقال : إني حلفت أن لا أنام على فراشي سنة فقال ابن مسعود : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ كفر عن يمينك ونم على فرا شك قال : بم أكفر عن يميني ؟ كفارة اليمين قال : أعتق رقبة فإنك موسر . ونحو هذا من الأخبار التي رويت عن ابن مسعود وابن عمر وغيرهما ، فإن ذلك منهم كان على وجه الاستحباب لمن أمروه بالتكفير بما أمروه بالتكفير به من الرقاب ، لا على أنه كان لا يجزي عندهم التكفير للموسر إلا بالرقبة ، لأنه لم ينقل أحد عن أحد منهم أنه قال لا يجزي الموسر التكفير إلا بالرقبة . والجميع من علماء الأمصار قديمهم وحديثهم مجمعون على أن التكفير بغير الرقاب جائز للموسر ، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحة ما قلنا في ذلك بغيره . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ كفارة اليمين يقول تعالى ذكره : فمن لم يجد لكفارة يمينه التي لزمه تكفيرها من الطعام والكسوة والرقاب ما يكفرها به على ما فرضنا عليه وأوجبناه في كتابنا وعلى لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يقول : فعليه صيام ثلاثة أيام . ثم اختلف أهل العلم في معنى قوله : فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ومتى يستحق الحانث في يمينه الذي قد لزمته الكفارة اسم غير واجد حتى يكون ممن له الصيام في ذلك ؟ فقال بعضهم : إذا لم يكن للحانث في وقت تكفيره عن يمينه إلا قدر قوته وقوت عياله يومه وليلته فإن له أن يكفر بالصيام ، فإن كان عنده في ذلك الوقت قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين أو ما يكسوهم ، لزمه التكفير بالإطعام أو الكسوة ولم يجزه الصيام حينئذ كفارة اليمين . وممن قال ذلك الشافعي . حدثنا بذلك عنه الربيع . وهذا القول قصد إن شاء الله من أوجب الطعام على من كان عنده درهمان وممن أوجبه على من عنده ثلاثة دراهم . وبنحو ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الكريم ، عن سعيد بن جبير ، قال : إذا لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم . قال : يعني في الكفارة كفارة اليمين . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني معتمر بن سليمان ، قال : قلت لعمر بن راشد : الرجل يحلف ، ولا يكون عنده من الطعام إلا بقدر ما يكفر ؟ كفارة اليمين قال : كان قتادة يقول : يصوم ثلاثة أيام . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : ثنا يونس بن عبيد ، عن الحسن قال كفارة اليمين : إذا كان عنده درهمان . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا معتمر ، عن حماد ، عن عبد الكريم